فـَ غَـرَقَـت

كان الإسفلت داكنًا، مبللًا بأمطار الليلة الماضية، وببوح عينيها
ارتدت معطفها الأثقل، ولفّت عنقها بوعٍد قديم أنها لن تبكي مرة أخرى
وتدثّرت بالأمل

مضى يومان، وبضعة أشهر، وعام، وعُمر
منذ أن شعرت أنها قد غسلت قلبها بحضوره
كلما مرّ بها مشهدٌ أو طرف، نال من معطفها شيئًا، فأصابها برد
كلما مرّت بأعينٍ، أو وسائد، أو أفكار جامحة، نال من روحها صمت

سكتت عنها الكلمات، ومضت في شارع لم يمسح عن جبينه خطيئة الليلة الماضية بعد
بل تجمّل لاستقبال ما تقترفه كل يدٍ آثمه، بترحابه البالغ المعهود

سارت بغير هُدًى، تعرف وجهتها تمامًا
تعرف أنها "قد" تصل في الوقت المُناسب
تعرف أن بكائها لن يقي من الخطايا شيئًا، ومن الوحدة أشياء
وأنه حزنها لن يوقف الرصاصة في مكانها قبل أن تمس وجنتيّ الفتي
وأن بكائها لن يجمّد القسوة من أن تصفع حلم طفولي وعفوي
وأن بكائها، لن يكسر زجاج قلبها، فيعود إلى نبضاته المختلجة الطبيعية في لاطبيعيتها

خطت بين الشوارع والأزقة المعتمة بفحيح ساكنيها الوجلين من الأصوات العالية والمصارحة
مرت بما وقعت عليه عينيها، وهي جامدة في مكانها، على أعتاب مبللة
قطعت الأمكنة كأنها صفحات كتاب مسّته الريح
وكلما رغبت في التوحد، صافحت أيادِ الغرباء، وجالست من تعرف ومن لا تعرف
انغمست في وحدتها، فانغمست في حشود متعجّلة
كلٌ يمضي إلى مثواه

كان الإسلفت داكنًا، ومبللًا برطوبٍة أعطبت سكينتها الدافئة
بينما تجاوز الماء كعب حذائها،  وملأ رئتيها
فغرقت

Comments

Popular posts from this blog

عزيزي ڤنسنت .. (المقطع الأول)

لها .. الصغيرة

أين طاقتك..؟