يد آمنة تُعد الفطور للأحفاد والطيور





لم تُشعِل عود بَخور بعد أن فرُغت من الطهي
لم تُرِد اليوم أن تطرُد رائحة البيت الآمِن .. من بيتها

لطالما شعرت بالحنين كلما مرّت في ردهات المنازل
وتخيلت من الروائح المنبعثة، ما الذي سيتحلّق حوله جيرانها وقت تناول الغداء

هذا بيت سعيد، هناك رائحة كعكة البرتقال
هذه أسرة كبيرة ومترابطة وسيأكلون كبسة اللحم
وهذا شاب أعذب، يدخِّن سيجارة مع كوب شاي

أغلَقَت النوافذ، وطارِدات الهواء
أشعَلَت الموقِد على دجاج وخضروات، وأرز بالمرق والقرفة
وسمحت للأبخرة أن تتجمع وترتطم بوجنتيها وشعرها المعقوص

تأكلها مسافة ضاربة بينها وبين جذور الشجرة التي نبتت منها/عائلتها
وكلما تذكّرت غُربتها، وبُعد المسافات، والحنين
طَهَت، ولم تَدَع أبخرة الطعام تُفارق أنفها

وجدت في تلك الرائحة الحميمة، بيتٌ آمِن، واهتمام، ومُشاركة، وحنين، وأم
رائحة بيت الجدة الذي لطالما احتضن الجميع
رائحة فطور جدي الذي رغم تعبه وشهيته التي تضائلت حتى كادت تختف، أصرّ دومًا على إعداده بنفسه
ودعوتنا جميعًا/أحفاده، على مشاركته معه في ساعات الصباح الأولى
وها هو الآن، في غياهب الألم، ولا يمكنني حتى أن أقبل يده فيستحي كما كان يفعل

جدّي، الذي لم أجد يومًا مدخلًا سلسًا لمبادلته الحديث
ولطالما تمنيت أن يهبني الله ذكاء كافٍ لاستدراجه فيما يثير اهتمامه من نقاشات
أبدًا لم أفلح
ولكني أعلم أنه عرف كم كنت أحاول
وكم أكنّ له
وكم أشعر بالاطمئنان فقط لجلوسي في حضرته 

جدي الآن، في غيبوبة سوداء
لأن شاب ما أسرع بدراجته النارية، ولم يلتفت إلى خطوته المتأنية في جانب أحد الشوارع المتصلة بالمسجد
الشاب وجدّي في المشفى، الشاب قوى وقادر على التعافي
أما جدّي، فهو هشّ كما عهدته
وطفل وديع لا تحتمل أعصابه نشرة أخبار كاملة على جرعة واحدة

جدّي بعيد، وأمي بعيدة
ومائدة الطعام المزدحمة بالحكي والتفاصيل والضحك أبعد ما تكون

وكل شجرتي الفارعة .. هناك
يفصل بيني وبينها طائرة لا يمكنها أن تسير في خطٍ مستقيم (لأنهم يريدون ذلك) 
والخوف يكبُر، ويلتهم الشهية والنوم 

وجدّي
جدّي
تفتقده طيور نافذته التي عهدت وجبتها من يده
ويفتقده البيت
والفطور المُبكر
وأنا
..
التي لا يسعها سوى حبس رائحة الطعام في بيتها
وحبس خوفها وضعفها في حلقها
علّها تشعُر/تدّعي بالأمان.

Comments

  1. تحدثت عما يجول بخاطري بالضبط .. عبرت عن تفاصيل تزدحم في مخيلتي دون ان اجد السبيل لفك الفوضى العارمة التي فيها .. شكرا لقلمك ❤️❤️❤️

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

عزيزي ڤنسنت .. (المقطع الأول)

لها .. الصغيرة

أين طاقتك..؟