لما يكنِسون أوراق الشجر يا أبي؟





استيقظت اليوم على ذاكرة منتبهة
كان كل شيءٍ فيها حاضرًا مثل حاضِرٍ حيّ

وجدت السائق يقف خطوتين بعيدا عن أعتاب البناية
زممت شفتاي وقطعت خطوتين .. ونزعتين لإضرام مشاحنة

يتردد على ذهني فجأة العبارة التي قلتها لي البارحة وباغتتني حقيقتها
"إذا لم تجدين ما تريدينه بالضبط تستائين كما لو كان العالم كله قد عطُب"
لا بأس إذن بتلك الخطوتين
على الأقل مكيّف السيارة بارِدٌ ومُنعِش اليوم

مررنا على العامل الهندي الذي يكنس أوراق الشجر اليابسة كل يوم في نفس الموعد
وتخيلت -مجددا كما كل يوم- لو أنني تناقشت مع من كلّفه بتلك المهمة
سأؤكد له أن الورق الذهبي المتناثر كبساط حالُم  ليس بهذا القُبح
بل سأخبره أن مظهر الطريق وهو خالٍ منها هو ما يبعث على الكآبة
..

أتجرّع رشفة مرّة من شايي الأخضر .. وألعن هاجس الجوع الذي يصيبني على مدار الدوام
وألعن حرصي على المجيء إلى العمل قبل الموعد!
يباغتني انتباه ذاكرتي مجددا
لماذا لم احضِّر هديّة لائقة لأبي ..
فأنا أحب نظرة استقبال الهدية
لماذا إذا لم أجلب لك وشاحًا أنيقا من قبل
وربما معطف سميك يقيك أن ترتدي طبقات عديدة من الملابس
ولماذا أفكر فقط في ندمي على الهدايا الشتوية
ويتكرر حزني أن القفازات التي جلبتها لك مرة لم تكن على مقاس يدك
كم افتقد كفّيك
واشتباكة أصابعك ببعضها كشمس إذا ما قررت الانتباه والجلوس في هدوء
وهي الحركة التي انتبه لنفسي أفعلها أحيانا فيُنتَزَع قلبي
سأحضَِر لك هدية شفهية يا أبي
وسأخبرك عنها بيني وبينك
وسأتعامل على أن العالم لم يصبه العطب لأني وددت أشياء كثيرة لم تحدث
وسأكتفي بالنظر إلى أصابع يدي الحاضرة
-
الشعور نفسه ينتابني كلما خرجت من المنزل
هل سيحين يومًا ابتلع فيه ندمي على تلك اللحظات المُهدرة بعيدة عنك
الحقيقة أنه ينتابني الخوف والارتباك إذا ما أشحت بناظري عنك لبرهة فقط
والحقيقة أيضًا أنني كلما اختبرت .. وأجريت بعض التعديلات او الإضافات على روتيني الآمِن
.. كلّما قيدني عقلي بتلك الهواجس

كما لو كان يُثنيني عن الحركة
عن التنفُّس
عن التفكير في أي احتمال جديد
أو تجربة
خوفًا أن تكون مُهدرة بدونك
فكما قلت لك مسبقًا
يُنتَزَع قلبي كُلمّا مشيت خطوة في غير اتجاهك

-
سأذهب الآن لأواصل إهدار ساعات بعيدة عنك وعنهم.. وأنا أبتهل ألا اتذكر تلك اللحظات يومًا بشيءٍ من ندم
وسأحاول مليًّا أن أتقبل صُحبتي لنفسي

متجرّعة ما تبقّى في الكوب من مرارة
.. الحلوة مرارته مقارنة بـ شتات ذهني وأفكاري

Comments

Popular posts from this blog

عزيزي ڤنسنت .. (المقطع الأول)

لها .. الصغيرة

أين طاقتك..؟